تتناول هذه المقالة دور مقاييس النتائج المُبلغ عنها من قبل المرضى في أنظمة الرعاية الصحية القائمة على القيمة
على مدى العقد الماضي، شهدت أنظمة الرعاية الصحية تحولًا في طريقة التعامل مع المرضى. في السابق، كان التركيز ينصب على علاج المريض ثم الانتقال إلى الحالة التالية. أما اليوم، فلم يعد هذا النهج كافيًا؛ بل أصبح من الضروري تقييم جودة حياة المريض بعد العلاج. ومن أبرز التطورات في هذا المجال اعتماد مقاييس النتائج المُبلّغ عنها من قبل المرضى (PROMs)، وهي أدوات تُحدث تحولًا كبيرًا في طريقة تقييم فعالية العلاجات، وتعزيز الرعاية التي تركز على المريض، ودعم أنظمة الرعاية الصحية القائمة على القيمة.
في هذه المقالة، سنستكشف مفهوم PROMs، وأهميتها، وكيف يتم دمجها في أنظمة الرعاية الصحية حول العالم.
تشير PROMs إلى استبيانات موحّدة (على شكل نماذج أسئلة) مصممة للحصول على تقييم المرضى لحالتهم الصحية، وجودة حياتهم، ونتائج علاجاتهم. على عكس المقاييس الطبية التقليدية التي تعتمد على قياسات موضوعية مثل ضغط الدم أو نتائج التحاليل المخبرية، تستند PROMsبالكامل إلى التجربة الذاتية للمريض.
تغطي PROMs مجموعة واسعة من الجوانب، بما في ذلك الصحة الجسدية، والصحة النفسية، والقدرة على القيام بالأنشطة اليومية، وجودة الحياة بشكل عام. على سبيل المثال، قد يُطلب من مريض يعاني من آلام مزمنة تقييم شدة الألم، وتأثيره على أنشطته اليومية، وصحته النفسية.
تُستخدم PROMs في العديد من المجالات الطبية، مثل إدارة الأمراض المزمنة، والجراحة، والصحة النفسية، وإعادة التأهيل. وتساعد في سد الفجوة بين الفعالية الطبية والتجربة الفعلية للمريض، بحيث لا يُقاس نجاح العلاج بالمؤشرات البيولوجية فقط، بل أيضًا بتحسن جودة حياة المريض.
ورغم أن PROMs ليست مفهومًا جديدًا - حيث استُخدمت لعقود في الأبحاث السريرية - إلا أن دمجها في الممارسة الطبية اليومية يعد تطورًا حديثًا مدفوعًا بالتركيز المتزايد على الرعاية الصحية التي تركز على المريض ونماذج الرعاية الصحية القائمة على القيمة.
تمنح PROMs المرضى صوتًا في رعايتهم الصحية، حيث تنقل التركيز من منظور الأطباء فقط إلى تجربة المرضى الفعلية. تُظهر الأبحاث أن المرضى الذين يشعرون بأن أصواتهم مسموعة ويشاركون في اتخاذ قرارات العلاج يكونون أكثر التزامًا بخطط العلاج، ويحققون نتائج صحية أفضل (Black, 2013). وهذا يساهم في تقليل العمليات الجراحية المتكررة وخفض تكاليف الرعاية الصحية على المدى الطويل.
أظهرت الدراسات أن استخدام PROMs في الممارسات السريرية يؤدي إلى نتائج علاجية أفضل. فالمريض الذي يبلّغ بانتظام عن أعراضه ومستوى جودة حياته يكون لديه تواصل أكثر فعالية مع فريقه الطبي، مما يسمح بتدخلات مبكرة وإدارة أكثر كفاءة للأمراض المزمنة.
تُوفر PROMs بيانات قيّمة تكمل المقاييس الطبية التقليدية. على سبيل المثال، قد يكون لدى مريض أجرى جراحة في الركبة نتائج تصوير طبيعية، لكنه لا يزال يعاني من الألم ومحدودية الحركة. هنا، يمكن أن تُظهر PROMs هذا التفاوت، مما يدفع الأطباء لإجراء فحوصات إضافية أو تعديل خطط العلاج.
يركز نموذج الرعاية الصحية القائم على القيمة على تحقيق أفضل النتائج الصحية بأقل تكلفة. وتُعد PROMs عنصرًا أساسيًا في هذا النموذج، لأنها تقيس النتائج التي تهم المرضى بشكل مباشر. من خلال دمجها في الرعاية اليومية، يمكن لأنظمة الرعاية الصحية تحديد التدخلات الفعالة، وتقليل الهدر، وتوجيه الموارد بشكل أكثر كفاءة.
تحظى PROMs باهتمام متزايد عالميًا، خاصة في الدول التي تعتمد على نماذج الرعاية الصحية القائمة على القيمة. فقد بدأت الحكومات والمؤسسات الصحية في استخدام PROMs لتحسين نتائج المرضى، وتعزيز جودة الرعاية، وخفض التكاليف. وفيما يلي بعض المبادرات العالمية التي تدفع هذا الاتجاه:
تُعتبر رؤية السعودية 2030 خارطة طريق طموحة تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتحسين جودة الحياة. ومن أبرز أهدافها تطوير قطاع الرعاية الصحية ليكون أكثر تركيزًا على المريض وقائمًا على القيمة، حيث تلعب PROMs دورًا محوريًا في هذا التحول.
ضمن هذه الرؤية، أطلقت وزارة الصحة السعودية عدة برامج لدمج PROMs في الممارسة السريرية، مثل جمع وتحليل بيانات المرضى الذين يعانون من الأمراض المزمنة كمرض السكري وأمراض القلب (Saudi Vision 2030).
تُعد هيئة الصحة الوطنية البريطانية (NHS) من أوائل الجهات التي تبنت PROMs. فمنذ عام 2009، أصبح جمع بيانات PROMs إلزاميًا لبعض العمليات الجراحية الاختيارية، مثل جراحات استبدال مفصل الورك والركبة. تُستخدم هذه البيانات لتقييم فعالية العلاجات، وتحديد أفضل الممارسات، ودعم قرارات السياسة الصحية.
في الولايات المتحدة، أدى التحول نحو الرعاية الصحية القائمة على القيمة إلى تسريع تبني PROMs. فقد قامت مراكز الرعاية الطبية والخدمات الطبية (CMS) بدمج PROMs في عدة نماذج دفع، مثل نظام الدفع التحفيزي القائم على الجدارة (MIPS)، حيث تُستخدم PROMs كمؤشر أساسي للأداء.
في أوروبا، تتبنى العديد من الدول PROMs كجزء من استراتيجياتها الصحية. فمثلًا، قامت السويد بدمج PROMs في سجلاتها الوطنية للجودة، بينما طوّرت هولندا مجموعة موحدة من PROMs لاستخدامها في الرعاية الأولية، مما يساعد مقدمي الرعاية الصحية على قياس أدائهم وتحسينه.
رغم الفوائد العديدة، لا تزال هناك بعض التحديات أمام الانتشار الواسع لـ PROMs، ومنها:
ومع ذلك، فإن الإمكانات التي توفرها PROMs لتحسين الرعاية الصحية لا يمكن تجاهلها. ومع استمرار الدول والمؤسسات الصحية في تبني الرعاية القائمة على القيمة، من المتوقع أن يزداد الاعتماد على PROMs بشكل كبير.
مقاييس النتائج المُبلّغ عنها من قبل المرضى (PROMs) ليست مجرد أداة قياس، بل تمثل تحولًا جذريًا في مفهوم الرعاية الصحية. فمن خلال وضع المريض في قلب العملية العلاجية، تُساهم PROMs في تحقيق نتائج صحية أفضل، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الرعاية القائمة على القيمة.
إذا كنت مهتمًا بمعرفة المزيد حول PROMs أو ترغب في استكشاف كيفية دمجها في ممارستك الطبية أو نظام الرعاية الصحية لديك، يسعدنا التواصل معك لمساعدتك على تحقيق رعاية صحية تتمحور حول المريض بشكل حقيقي.
---
References